اسماعيل بن محمد القونوي
515
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الظاهري فإن لكل حكم سببا ظاهريا وحقيقيا كما حققه أئمة الأصول والسبب الحقيقي هنا لكون الكتاب هدى لهم لا لغيرهم حكمه تعالى في الأزل وقضاؤه باهتدائهم بهداية الكتاب وتحبيبه إليهم الإيمان وتزيينه في قلوبهم الإيقان بسبب علمه الأزلي أنهم يختارون باختيارهم الجزئي الاهتداء به والإذعان كأنه قيل قد علمنا أن سبب الاختصاص المذكور الظاهري تلك الصفات فما سببه الحقيقي فأجيب بقوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] أي الموصوفون بهذه الصفات مستقرون على هدى من الكتاب مقضى لهم باستقامة شكيمتهم من ربهم من مالكهم الذي نواصي خلقه بيده يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا معقب لحكمه في شيء من الأشياء وبهذا تم الجواب لأولي الألباب وذكر وأولئك هم المفلحون من قبيل الاطناب كأنه فهم من السؤال أن السبب الحقيقي ما هو وما يترتب على ذلك الهدى فذكر السبب الحقيقي وما يترتب على الانتفاع بهداية الكتاب ليطابق الجواب الغرض الذي هو فهم من فحوى الخطاب وإلى مثل ذلك أشار المصنف في قوله له تعالى : قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها [ طه : 18 ] الآية . وأنت خبير بأن لفظ من ربهم ولفظة على في عَلى هُدىً [ البقرة : 5 ] كالتصريح فيما ذكرناه وقد غفل عن ذلك كثير من أرباب الحواشي وأطالوا الكلام بلا طائل يضطرب عنه الأذهان لبعده عن منهج البيان . قوله : ( ونظيره أحسنت إلى زيد صديقك صديقك القديم حقيق بالإحسان ) أي نظير الاستئناف الثاني يؤيده قوله ( فإن اسم الإشارة ) وقيل إن نظير الاستئناف المقدم على الوجهين قوله فإن اسم إشارة من قبيل تخصيص البيان بما يحتاج إليه فالأولى أن الاستئناف الأول لظهوره في كونه بإعادة الموصوف بالصفات المذكورة لم يتعرض له قد عرفت أن النظير ما كان مثلا للشيء في الاعتبارات في غير المادة وهنا كذلك لأن هذا تعليق الحكم بالوصف وما نحن فيه كذلك لكن المادة متغايرة لأن الإعادة باسم الإشارة من قبيل الإعادة بالصفة لأنه إشارة إلى الموصوف بالصفات لا إلى الذات وحدها كما في الضمائر وإلى هذا قوله : ونظيره أحسنت إلى زيد صديقك القديم حقيق بالإحسان فإن صديقك القديم حقيق بالإحسان استئناف مشتمل على موجب الحكم وهو أبلغ من زيد حقيق بالإحسان لعرائة عن ذكر الموجب وإذا قلت أحسنت إلى صديقك القديم زيد ذلك حقيق بالإحسان يفيد لفظ ذلك لكونه بمنزلة إعادة من استؤنف عنه الحديث بصفته يعني صديقك القديم ولا فرق بين التعبير عن زيد بلفظ صديقك القديم وبين التعبير عنه بلفظ ذلك في إفادة ذلك المعنى غير أن الأول نص والثاني إشارة قال الزمخشري وفي اسم الإشارة الذي هو أولئك إيذان بأن ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدت لهم كما قال حاتم وللّه صعلوك ثم عدد له خصالا فاضلة تم عقب تعديدها بقوله : فذلك أن يهلك فحسنى ثناؤه * وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما والحاصل أن الإعادة باسم الإشارة من قبيل الإعادة بالصفة لأنه إشارة إلى الموصوف بالصفات لا إلى نفس الذات فالاستئناف هنا سواء وقع على الذين يؤمنون أو على أولئك وارد على الوجه الأحسن .